الشنقيطي

392

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ابن كثير مجزوم ؛ لأنه جواب لقوله وَمَنْ يَعْمَلْ - غلط منه رحمه اللّه ؛ لأن الفاء في قوله فَلا يَخافُ مانعة من ذلك . والتحقيق هو ما ذكرنا من أن « لا » ناهية على قراءة ابن كثير ، والجملة الطلبية جزاء الشرط ، فيلزم اقترانها بالفاء ؛ لأنها لا تصلح فعلا للشرط كما قدمناه مرارا . وقوله تعالى : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ [ 113 ] الآية - . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة « الكهف » فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) [ 114 ] . كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه صلّى اللّه عليه وسلّم من شدة حرصه على حفظ القرآن ؛ فأرشده اللّه في هذه الآية إلى ما ينبغي . فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل ، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي ، ثم يقرؤه هو بعد ذلك ، فإن اللّه ييسر له حفظه . وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه اللّه في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « القيامة » : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 16 - 19 ] وقال البخاري في صحيحه : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو عوانة قال : حدثنا موسى بن أبي عائشة قال : حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعالج من التنزيل شدة ، وكان مما يحرك شفتيه ، فقال ابن عباس : فأنا أحركهما لكم كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحركهما . وقال سعيد : أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما ، فحرك شفتيه ؛ فأنزل اللّه تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) قال : جمعه لك في صدرك ، ونقرأه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) قال : فاستمع له وأنصت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) ثم علينا أن نقرأه . فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع ؛ فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما قرأه « 1 » - ا ه . قوله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) [ 115 ] . قوله : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ أي أوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة . وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا الموضع ، كقوله في سورة « البقرة » : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) [ البقرة : 35 ] فقوله : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ هو عهده إلى آدم المذكور هنا . وقوله في « الأعراف » : وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي حديث 5 .